عبد الملك الخركوشي النيسابوري

85

تهذيب الاسرار في أصول التصوف

ورأيت فيه اطلاع اللّه سبحانه علىّ ورؤيته إياي ، فلذلك لم أذبحه ، فاستحسنوا منه مراقبته ، وقال : حقّ لك أن تكرم . وبلغني أن زليخا خلت بيوسف ، فقامت فغطّت وجه صنمها ، فقال يوسف : أتستحين من مراقبة الجماد ، ولا أستحى من مراقبة الملك الجبار . وحكى عن بعضهم ، قال : مررت بجماعة يترامون وواحد جالس بعيدا منهم ، فتقدمت إليه فأردت أن أكلّمه فقال ذكر اللّه تعالى أشهى فقال : أنت وحدك ، فقال : معي ربّى عزّ وجلّ وملكاى ، فقلت : من سبق من هؤلاء ؟ فقال : من غفر اللّه تعالى له ، فقلت : فأين الطريق ؟ فأشار نحو السماء وقام ومشى ، وقال : أكثر خلقك شاغل عنك ! وحكى عن بعض الأحداث أنه راود جارية عن نفسها ، فقالت : ألا تستحى ؟ فقال : ممن أستحى وما يرانا إلا الكواكب ؟ فقالت : وأين مكوكبها ؟ . سمعت عبد الرحمن التائب يقول : سمعت أبا عبد اللّه بن خفيف يقول : خرجت من مصر أريد الرّملة للقاء أبى على الروذباري ، فقال عيسى بن يونس المصري المعروف بالزاهد : إن في صور شابا وكهلا قد اجتمعا على حال المراقبة ، فلو نظرت إليهما نظرة لعلّك تستفيد منهما ، فدخلت صور وأنا جائع عطشان في وسطى خرقة ، وليس على كتفي شئ فدخلت المسجد ، فإذا شخصين قاعدين مستقبلي القبلة فسلمت عليهما ، فما أجابانى ، فسلمت ثانية وثالثة ، فلم أسمع الجواب ، فقلت نشدتكما باللّه ألا رددتما علىّ السلام ، فرفع الشابّ رأسه من مرقعته فنظر إلى ، وقال : يا ابن خفيف الدّنيا قليل ، وما بقي من القليل إلا القليل ، فخذ من القليل الكثير ، يا ابن خفيف ، ما أقل شغلك حتى تتفرّغ إلى لقائنا فأخذ كلّيّتى . فنظر إلىّ وطأطأ رأسه في المكان ، فبقيت عندهما حتى صلّينا الظهر والعصر ، فذهب جوعى وعطشى وعنائي ، فلما كان وقت العصر قلت : عظني ، فرفع رأسه إلىّ وقال : يا ابن خفيف نحن أصحاب المصائب ليس لنا لسان لعظة . فبقيت عندهما ثلاثة أيام لا آكل ولا أشرب ولا أنام ولا رأيتهما أكلا ولا شربا ولا ناما ، فلما كان في اليوم الثالث قلت في سرّى : أحلفهما أن يعظانى لعلى أنتفع بعظتهما ، فرفع الشابّ رأسه وقال : يا ابن خفيف عليك بصحبة من تذكرك اللّه رؤيته ، وتقع هيبته على قلبك ، يعظك بلسان فعله ، ولا يعظك بلسان قوله والسّلام ، قم عنا . عن أحمد بن عطاء قال : قال لي خالى أبو علي بن عطاء : سمعت الجنيد وقد سأله